الجمعة، 11 يوليو، 2014

سفاهة العمق

سفاهة العمق

من المثير للسخرية إلي أبعد حد أنّ يجد أحدنا في الأمر لذة مرضية حينما يصفه شخص ما بالعمق ، ويصفه الآخر كذلك ، ويُجمع بضع أفراد علي حتمية التصاق هذه الصفة به ، وبأفكاره ، وبأفعاله بَسطت أم عظمت ، حتي يُمهد ذلك الطريق _له_ شيئاً فشيئاً لتصديق الأمر والتعامل معه باعتبار أنّه من المسلمات وكيقين لا يدع مجالاً للشك _علي اعتبار أنّ هناك شيئاً كذلك ؟! اعتبره مجازاً لا أكثر . مع أنّ وصفهم لنا بالعمق كان يستحق ضحكة عالية تجعلهم يثقون إلي أبعد حد أنّنا والعمق علي طرفي النقيض ولا يجوز أن يستويان مثلاً ، وينصرفون إلي الأبد عن محاولة وضعنا في جملة مع هذا الوصف الأحمق إلا عند الضرب تحت الحزام . وهذه الضحكة البلهاء التي تشبهنا كثيراً وتلخصنا كثيراً ستضع بيننا وبين إمكانية واحتمالية تصديقنا لهذه الترهات سوراً هائلاً أشبه بسور الصين العظيم إلا إذا كنت من أولئك الذين يؤمنون بأنّهم في تفاهتهم من الممكن أن يبلغوا سُدة العمق ، إذاً فأنت حالة ميئوس منها . كلنا نعشق هذه الصفة وحينما نتغزل في شخص أو شئ  ما تكن صفة العمق من أعظم الصفات التي تخطر علي بال الملقي أو المتلقي ، لا يعني ذلك بالضرورة أن وصف البعض للبعض الآخر بالعمق هو محض اصطناع وخداع وإتباع للمعشوق . ما الممتع في أنّ تكون عميقاً ؟ ما الذي يجعل أحدهم يشعر بهذا الكم من الفخر والرضا عن النفس حينما يرتبط اسمه بالعمق صفة وحالة ؟ ما المثير لهذه الدرجة بأنّ تتعامل مع أسخف الأمور باعتبار أنّها لها دلالات وانعكاسات وتستحق التأمل والتحليل ؟! ما الرائع في أنّ " تقف علي الواحدة " ونصف الواحدة وأرباعها ، وتسبح في التفاصيل دون الغرق لتُدرك الصورة الكلية بإتقان ، وتتمعن فيها لتتأكد من صحتها ، ثم تعود إلي بحور التفاصيل مرة أخري إنّ شابتها شائبة راجياً طوق نجاة من العدم إن زلت قدماك عن محيط استطاعتك العوم ؟ّ أنّ تكون مشاعرك عميقة ، موصولة بروحك وصل تتهتك إنّ مسه مجهول بما يُشعل نيران أوجاعك أو يُزيد من إتقادها ، ولا يُطفأ لهيب مشاعرنا المتأججة والمتوهجة والمعلقة بحبال العشق ، عشق شئ أو شخص ما ؟ ما مدعاة الانتشاء أنّ السهم سيصيب في العمق فيقتل بدلاً من أن يُعطي دروساً ويمنح خبرات لأن العمق معلن ومستباح للجميع ؟ حقاً ، لا أعلم ما الجيد في أنّ يكون شخص ما العمق الذي تُحصد فيه الأرواح تلو الآخري في البحار ؟ أو أنّ حديثه يرتقي بالناس إلي سماء مُحرم علي أحدهم دخولها وإن تمكن وتمكنوا فسيفيقون سريعاً علي صفعة من الأرض ليُدركوا أنّ الحياة هنا وأنّ السماء ما هي إلا مهرب ؟ أو أنّ يكون في أعماق باطن الأرض فتصنع عظامه " بترولاً " يُلم عظاماً متناثرة حول العالم حصدها بقوته الاستراتيجية ؟ في أن يكون الطابق الأرضي في برج خليفة أو نقطة بداية تسلق جبل ايفرست ؟ هل القاع فقط هو الذي يُعد عمقاً أو القمة أيضاً ؟! هذه محاولة من عقلي اللاواعي لإثبات إنّ عمقي لا يزال علي ما يرام .  محاولة تصنّع العمق والسعي إليه هي استهلاك للوقت والروح ومحاولة للانتحار بطريقة ستنجو منها ولكن وأنت مهشم كلية . والزهو بهذه الصفة سُخف ، وعدم إدراك لأبعاد خطورة تصديق صفة تستزف مما بقي منا ما بقي منا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق